فقال فيما أخرجه ابن ماجه والبيهقي والحاكم عن عمر: «اليسير من الرياء شرك. . . إن الله
مصابيح الهدى. يخرجون من كل غبراء مظلمة». والغبراء المظلمة: الفتنة العمياء.
هكذا كان الرسول على مستوى مسئوليته العظمى في تبليغ الرسالة؛ وفي بيان
مقاصد القرآن. من فقه أعمال القلوب إلى جانب فقه أعمال الجوارح؛ فكما أن لأعمال
الجرارح شروطاً للصحة والقبول فكذلك أعمال القلوب لها نفس الشروط في الصحة
والقبول. وكان 8 في قمة المستويات الفكرية العالمية حين صور مستقبل العالم الإسلامي
حينما يسيطر الرياء القللي على أعمال الناس الظاهرة بالجوارح؛ فقال فيما أخرج الترمذي
عن أبي هريرة: «يخرج في آخر الزمان رجال يختلون (يسرقون) الدنيا بالدين» يلبسون
للناس جلود الضأن من اللين» ألسنتهم أحلى من العسل» وقلوبهم قلوب الذئا
الحليم حيرانا».
طوارق الرياء والنفاق. وإن تسلل الرياء إليها أمر محتم إذا لم تكن هناك مذاكرة دائمة؛
ومراقبة صارمة» وتفتيش دقيق في كل خفقة يخفقها القلب وفي كل خاطر يساوره.
ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم والجيل الأول من التابعين» لا يفترون عن
التذكر والتدبر» ومحاسبة النفس» وتفتيش القلب» والرقابة عليه حتى بلغ من أمر حنظلة
الأسدي أن شك في أيمانه حينما لاحظ أنه يكون في مجلس الرسول م حاضر القلب؛
لابد من ترويح النفس بالمباح؛ حتى لآ تقعد بصاحبها عن العمل .
لم يكن هناك انفصال إذن بين فقه أعمال القلوب وفقه أعمال الجوارج» بل كانت
الرابطة وثيقة بينهماء والعناية بليغة بهماء ولم يكن هناك فصام في شخصية الإنسان المسلم
من الدراسات والتفاصيل حول أعمال القلوب» لا سيما وأن الحياة لم تكن قد أصيبت بزحام