تعرض التاريخ العثماني للإهمال بوجة عام حتى النصف الأول من
القرن العشرين. فقد تأثر الكتاب الأوروبيون باتجاهات معاصريهم من
الدولة العثمانية التي ظلت تشكل بالنسبة الى أوروبا لمدة ستة قرون - أي
كانت تمثل رد الفعل الإسلامي ضد الخطر الصليبي؛ ثم ما لبثت أن
عرف في المصطلح الدبلوماسي باسم «المسألة الشرقية» التي شغلت أذمان
وهكذا ظل الأوروبيون ردحا طويلا من الزمان يعتبرون الدولة العثمانية
العدو الأكبر للمسيحية ووصمة سوداء تلطخ قيم الحضارة الغربية وكابوساً
يخيم على التطور التاريخي للبشرية - وعكس المؤ رخون الأوروبيون بوجه
عام هذه النظرة المتحيزة بغض النظر عن قليل من الاستثاءات التي
وعلى أثر انيار الإمبراطورية العثمانية وظهور عدد من الدول
61-3 قم رفاظا مت باففطظ تفال بصعامه عام مجاعم م0100 116 بتمصها! مالم -
الجديدة على أنقاضها جرى تفسير التاريخ العثماني من وجهة النظر القومية
لكل من هذه الدول» وهي بوجه عام تفسيرات ومنقوصة. فقد
هذه البلدان. بل إن مؤ رخينا العرب - باستثناء عدد قليل كانت تحركهم
الخلافة - قد أبدوا نفورهم من التاريخ العثماني الذي لم يلعب العرب
خلاله سوى دور ثانوي» واعتبروا ظهور الأتراك نهاية لازدهار الحضارة
العربية - الإسلامية وعقبة في سبيل اقتباس درجات التطور التي أصابتها
الحضارة الأوروبية الحديثة. ومثل هذه الأحكام العامة لا مع
الحقائق التي تبرزها الدراسة الجادة الشاملة ولا مع الملاحظة المتأنية لما خلفه
العثمانيون في بلادنا من آثار مادية وسياسية وسلوكية تنفي ما يقال عادة من
أنهم كانوا مجرد محاربين مجردين من أي قيم حضارية. بل إن هذه النظرة
الدولة العثمانية ووجهت هجومها الشديد إلى الماضي العثماني.
على أن هذه النظرة للتاريخ العثماني قد أخذت تتعدل في أوروبا
وتركيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية وبدأ يشويها الاتزان والموضوعية. وفي
العثماني باعتباره العصر الإقطاعي الذي سبق ظهور البورجوازية الصغيرة.
فالرأسمالية في القرن التاسع عشر ثم الاشتراكية بعد ذلك. وترتب على
ذلك ظهور مادة وفيرة ترتبط بالتطور الاقتصادي والاجتماعي. وجرت
محاولات مماثلة في البلدان العربية. وإن لم تعدل النظرة العامة للتاريخ
بيد أن الاهتمام بالوثائق العثمانية ودراستها قد عدلا النظرة إلى
التاريخ العثماني خلال السنوات الأخيرة. بحيث أصبح في حيز الإمكان
العثمانية قد ظهرت في ثنايا رد الفعل الإسلامي إزاء أوروبا الأآخذة في
التوسع في شرقي البحر المتوسط خلال القرنين الرابع عشر والخامس
ورغم استعارتها بعض التقنيات الأوروبية؛ فإنها تمثل أقوى وأنجح مقاومة
لأوروبا من جانب أي حضارة غير غربية - كما أنها لعبت دورها في تكوين
ما نطلق عليه اسم أوروبا الحديثة وفي إعادة تشكيل مجتمعات جنوب
شرقي أوروبا والشرق الأوسط وشمالي إفريقياء في الوقت الذي استدامت
فيه هوية معظم المجموعات الجنسية واللغوية والدينية الخاضعة لحكمها.
فالدولة العثمانية هي التنظيم السياسي الوحيد في العصور الوسطى
والحديثة الذي اعترف رسميا بالأديان السماوية الثلاثة وأوجد بينها تعايشا
سلميا يشوبه الانسجام - وقد بلغ عدد المجموعات اللغوية والجنسية التي
خضعت للحكم العثماني بين وقت وآخر أكثر من ستين مجموعة لعبت فيا
بعد دورها إما في قيام دول قومية حديثة أو في إثارة كثبر من مشاكل
الأقليات التي استعصى حلها على الحكومات الحديثة. على حين أن الحكم
العثماني - كا سنرى قد أوجد لها حلولا ملائمة.
التاريخ العثماني في إطاره الصحيح» راجيا أن تعمل الجامعات ودور
البحث العربية على الاهتمام باللغة التركية وتوجيه طلابها الى دراسة
الوثائق العثمانية واستقاء الأحكام التاريخية منهبا. فلا بيجب القفز على
القرون الأربعة التي حكمت خلالا الدولة العثمانية مساحات واسعة من
الوطن العربي وتبرير ذلك بأن الحكم العثماني للبلدان العربية لا يعدو أن
يكون فترة جمود وركود» بل «واستعمار» واستغلال - إذ أن هذه الفترة
تشكل جزءا لا يتجزأ من التاريخ العربي العام. وبدونها لا يمكن تفسير
كثير من الأوضاع والنظم العربية المعاصرة
أحمد عبد الرحيم مصطفى
الفل الأوت
المسرح السياسي في الشرق الأوسط مرتبطا من قريب أو من بعيد بانثيال
مغول جنكيز خان خلال القرن الثالث عشر الميلادي عبر سهوب أسيا
الوسطى على البلدان المجاورة حاملين معهم الخراب والدمار حيث حلوا.
وبعد أن توفى جنيكز خان في أوائل ذلك القرن وأصل أبناؤه وأحفاده
العباسية. ثم تعرضت البلدان التي كان بحكمها مماليك مصر والشام لخطر
سلاجقة الروم - وعاصمتهم قونية لعدة قرون. كما اخترق جيش مغولي
المغول الذين لم يعرفوا الاستقرار ولم يعرف عنهم ما هو أكثر من الدمار
والخراب وتممارسة فنون القتال قد أثروا في الشرق الأقصى تأثيرا باقيا: فلقد
أصبح أحفاد جنكيز خان لعدة قرون أباطرة على الصين وخانات
أسفل نهر الدون شرقا وإلى أسفل نهر الدنيير غرباء وإلى الشمال امتدت الى يلشس 8108ل
وموف 7# وفي عام 1484 أسس الحاج جيراي عاصمته بهجه سراي الواقعة جنوي
لشبه جزيرة القرم. وظلت اسرة جيراي تحكم الحانية إلى أن سقطت في عام 199701 في يذ -
الأسرات الحاكمة الني حكمت علا متبربرا لم تترك أي طابع حضاري في
بالتدريج على الخلافة العباسية وعلى مناطق غربي آسياء وإن لم يتعد المد
المغولي كونه قد دفعهم صوب الغرب والجنوب بعد أن دمر المغول دولة
وقد لعب بعض الأتراك دورا رئيسيا في تاريخ فارس وسوريا خلال
القرنين الرابع عشر والخامس عشر تحت اسم تركمان النعجة البيضاء (آق
قويونلى وتركمان النعجة السوداء (قرء قويونلى؛ على حين تحرك آخرون
صوب الجنوب واصطدموا بجماليك مصر والشام (الذين يننسبون هم
الشمال وانضموا إلى أقربائهم سلاجقة الروم. وحينئذ كان معظم العالم
الإسلامي قد سيطرت عليه القبائل الرحل الوافدة من مناطق الإستيس+
فالمغول والأتراك هم نتاج بيئتهم القاسية الني أثرت في حياتهم
القائمة على التجوال. فهناك الحرارة الشديدة خلال فصل الصيف والبرودة
متطلبات اقتصادهم الرعوي قد حددت علاقاتهم بسكان الوديان الزراعية
المستقرين» وهي علاقات تقوم بصفة دورية على الاقتباس والغارات
الدموية. فمناطق الإستيس الممتدة عبر شمالي أوراسيا الوسطى من حدود
- روسيا التي متها نبائيا في عام 198 . ولا كانت أسرة جيراي شديدة التمسك بالإسلام
البلاد من العرب
منشوريا إلى بودابست كانت لا تسمح إلا بقدر قليل من الزراعة مما أرغم
سكانها على احتراف الرعي والتجوال ومتابعة أساليب الحياة البدائية. على
حين كان سَكَانَ السهول المجاورة يتغمون بالاستقرار والرخاء النسبين.
وهكذا تحول التعارض الجغرافي إلى تعارض اجتماعي مما نمّى العلاقات
العداثية وسوء التفاهم بين الزراع والرعاة» أو بمعنى آخر بين الموسرين
والفقراء - ومن ثم اختراق الرعاة مناطق المزارعين بصفة دورية تحت زعامة
موحدة وتغلبهم عليهم؛ ثم حلوهم محل الممالك القديمة - وهكذا دواليك.
وقد ترتب على كل ذلك أن سيطر الفارس رامي السهام؛ وليد الاستيس
القرن السادس عشر بعد أن اخترعت المديئة والمناطق الآهلة بالسكان
المستقرين المدفعية التي قضت على تفوق رماة السهام!".
الصغرى. كما تمتع أتراك آخرون بسلطة ضعيفة في سوريا والعراق في إطار
النفوذ المغولي. في الوقت الذي اعتلى فيه أحفاد جنكيز خان حكم فارس
ونمتعوا بكل مظاهر السيادة في المناطق الممتدة حول نهر الفولجا وجبال
الأورال وبحر قزوين وصحارى بلاد التتار وأقاموا إمبراطورية في الصين؛
وكانوا يتأهبون لإقامة تلك السلسلة الطويلة من أباطرة المغول في الهند. أما
آسيا الصغرى التي كانت ميدانا للقتال بين السلاجقة والبيزنطين فقد
سيطر سلاظين قونية عل. جزه كبر متها بخاضة وأن التحملة الصليبية
آسيا الصغرى. حقيقة إن البيزنطيين ما لبثوا أن عادوا إلى عاصمتهم
القديمة في أعقاب فترة المنفى» إلا أنهم كانوا من الضعف لم يبذلوا
أي محاولة جديدة لاسترجاع ما كان السلاجقة قد انتزعوه متهم . أما المغول
الذين قضوا على سلطنة قونية فإنهم لم يجاولوا السيطرة على المناطق الواقعة
إلى الشمال الغربي والغرب من قونية وهي المناطق التي أصبحوا ورثتها من
الناحية المنطقية. وفي أوائل القرن الرابع عشر برزت مملكتان مسيحيتان في
طرابيزون وكيليكا (أو أرمينيا الصغرى) على الأطراف الشمالية الشرقية
الغربي بفيلادلفيا وبروسة (بورصة في المصطلح العثماني) ونيقية والمناطق
المحيطة بكل من هذه المدن الممتد: قطاع ضيق على طول الدردنيل
يشبه السلطة المركزية» ثمرة ة في يد من يستطيع الاستيلاء عليها
لشعب جديد تماما أن يجرب حظه في هذه المنطقة الني كانت تفتقد القوة
ومن المتواتر أن العثمانيين ينتسبون إلى إحدى قبائل الغز التركية
التي دفعها تقدم المغول في أوائل القرن الثالث عشر إلى الهرب غربا صوب
قونية التي منحته هو وعشيرته منطقة الثغور المواجهة للدولة البيزنطية في
شمال غربي الأناضول. وسواء أصحت هذه القصة التي تناقلها الم رخون
إلى القرن الثالث عشر قد شهدت تدفق كثير من العناصر الجنسية الى
الأناضول. ففي خلالها كان العنصر اليوناني. أو بشكل أكثر تحديدا
التنظيم الهيليني للنظم الإمبراطورية البيزنطية. قد تراجع إلى مدن
السواحل التي جاء منها في البداية. وذلك باستثناء ما حدث على طول
سلسلة جبال طوروس ووديان الأنهار التي تصب في بحر إيجه. مرجع ذلك
أن اطراد الفتوح الإسلامية قد استتبع هجرة كثير من العناصر السورية
)١( يقال إن سليمان دشاه» والد أرطغرل وزعيم الآنراك العثمانيين خلال تجواهم» وضع على
رأسه الذئب الأغبر رمزا للوحشية والقسوة.
الأتراك الذين وفدوا إلى المنطقة عن طريق فارس فقد كانوا أحد روافد
استقروا في كل مكان فتحته الجيوش السلجوقية أمام الهجرة التركية. ويبدو
أن سلاجقة الروم كانوا في البداية معادين للاتجاهات السنية المناضلة التي
الإسلام الذي اعتنقه رعاياهم التركمان الذين احتفظوا بشكل مقنع
المعتقدات الشيعية لم تعترض قيام علاقات بين الخلافة العباسية
التركمانية بالمعتقدات الشيعية دون وعي بأن هذه المعتقدات تتعارض مع
المعتقدات السنية الغالبة لدى السكان. على أن الأوساط الشعبية كانت
تعتنق عقائد مختلطة لا تميز بين ما هو سني وما هو غير سني. بل إن
العناصر التركمانية الأكثر اقتبست بعض المعتقدات الشيعية دون
التفات الى كنبها. فقبل إعادة تنظيم المذهب الشيعي على أيدي صفوي
ايران خلال القرن السادس عشر لم يكن التمييز واضحا بين معتقدات كل
ومهما كان الأمر فحين احتل العثمانيون نيقية وجدوا بها كثيرا من
حين اعتتق الأتراك الإسلام لم بأخذوه جميعا بنفس الكيفية: فقد أصبح بعفضهم - ومنهم
السلاجقة - سنيين متشددين»؛ على حين أن آخرين قد تأثروا بأشكال إسلامية أقل سنية
كان ينقلها التجار والمتصوفة ومجموعات «الغزاة» الذين احتكوا بهم على حدود دار
الإسلام. وقد تأثر هؤلاء بجمارسات الدعاة والمتصوفة. في الوقت الذي لم يطرحوا
فيه تماما دياناتهم الشعبية التقليدية
(راجع : .817 ه10 ,وميا
الهجرات الأولى هذه بسطاء التفكير بميلون إلى التسامح مع الآخرين ولا
يشعرون على الإطلاق بالمزايا والالتزامات الخاصة بمجتمع منظم - ومن ثم
موقفهم السلبي من التغيرات السياسية الني كثيرا ما تعرض ا الأناضول
منذ قدومهم. وخلال الربع الأول من القرن الثالث عشر تقدمت هجرة
كبيرة أخرى صوب الأناضول» ولكن تفرق جزء كبير منها في جبال أرمينياء
إلى مناطق قريبة من مصر. وعلى حين أن الغزو السلجوقي الأول كان تزه
مستقرين يتبعون جيشا منتصراء كانت هذه الغزوة
المهاجرون يشتملون على عائلات تحمل كل ما تستطيع حمله من متاعهاء
فإن أغلبيتهم لم تتقدم كثيراً. وبعد أن استقر معظمهم في جبال أرمينيا وفي
أعالي سهل الفرات بعض الوقت ءأغرتهم وفاة جنكيز خان بالعودة الى
بلادهم. ورغم أن الجبال الوعرة ووديان الأناضول الضيقة لم تغرهم
بالتقدم صوب الغرب؛ فقد تغلغل أكثرهم في الأناضول بعد أن فقدوا
معظم نسائهم وأطفالهم. ولا كانوا يشكلون مجموعات صغيرة من
المحاربين» فقد قرروا الانخراط في جيش علاء الدين كيقوباد آخر سلاطين
الأناضول. وأغلب الظن أنه فزع لمجيء هذه العصابات المحاربة وتردد في
قبول انخراط الكثيرين متهم في قواته. إذ لم يكن بإمكانه الركون إلى
أو في مواجهة المغول. لهذا اتبع سياسة حكيمة تقضي بقاومة انخراطهم
حيث كان عليهم أن يحافظوا على بقائهم في مواجهة البيزنطيين. وفي مثل
هذه الظروف كانت القبيلة المحظوظة هي التي تشغل الإقطاع الأقرب إلى